عمر بن مسعود بن ساعد المنذري
19
كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية
وأيضا فإنه يجب على العاقل أن لا يقيس هذه الحالة الشريفة على سائر الأمور ، وليعتقد أن معاملته مع الأرواح كمعاملته مع السبع الضاري ، إذا أراد أن يجعله مستأنسا به ، فإنه يمتنع مما يكون منه نفوره وتباعده حتى يألفه ، فهكذا هاهنا . ومن أراد أن يتمكن في خدمة ملك عظيم ؛ فإنه يتكلف له غاية وسعه في الخدمة والبر وقتا بعد وقت حتى يفوز بمطلوبه ، مع أنه من جنسه فكيف بمن إذا احتاج أن يألف من ليس من جنسه . الشرط الثالث : أن من الناس من يظن أن الإنسان لا يدرك إلا ما يدل عليه طالعه ، وهو باطل ، لأن الاجتهاد قد يوصل إلى ما لا يدل عليه الطالع ، ألا ترى أن الفلك قد يقتضي البرد ، ثم إن الإنسان يدفعه بالكن والدثار والاصطلاء على النار . وقد يقتضي الحرّ والإنسان يدفعه بالفيء والماء البارد وبسط أوراق الحلاف والأطعمة الباردة . قال اسطالينوس : كنت أجدّ في مطالبي لهذا العلم ، ولم يدل عليه مولدي ، ولكنني طلبته طلبا عنيفا ، وقرّبت له قرابين كثيرة . حتى رأيت صدّ أصحاب القرابين لي ، ومع هذا فما كنت أنقطع عن تلك الأعمال البتة ، حتى أدركت بالأخيرة مقصدي ، وبلغت فيه حدا ما كنت أتوهم وصولي إليه . الشرط الرابع : اتفق الحكماء على أن من شرائط هذا العلم الكتمان . قال سمهياطيس : أمرت الأرواح الحاكمة بكتمان هذه الأسرار ، لأن الراكنين إلى الطبيعة إذا عرفوا هذا العلم ، استعملوه فيما يغمسهم في الشهوات الرذيلة المميتة للنفس الحية . وأيضا فلأن أرواح العالم الأعلى يكرهون وقوف البشر على أسرارهم ؛ فإن من عرفها طغى واستكبر وخرج من حد الناسوتية إلى اللاهوتية فيطغى في الأرض . ومن عرف الروحانية بأسمائها وجواهرها وأفعالها ، لم يتعذر عليه ما